نور الدين عتر

29

علوم القرآن الكريم

وقال أيضا : وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا « 1 » . فبيّن القرآن حكما وأسرارا غفل عنها المتطفلون باقتراحهم ، اقتضت نزول القرآن مفرقا ، وبالنظر إلى عبارات الآيات القرآنية نستطيع عرضها من خلال أربعة جوانب ، يستدل عليها من الآيات السابقة : أولا ، تثبيت فؤاد النبي صلّى اللّه عليه وسلم وتقوية قلبه : كما قال تعالى : كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ . فقد بعث الرسول صلّى اللّه عليه وسلم في قوم جفاة شديدة عداوتهم ، كما قال تعالى : وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا . وكانوا لا يكادون ينتهون من حملة أو مكيدة حتى يشرعوا في تدبير أخرى مثلها أو أشد أو أمرّ ، فكانت تنزلات القرآن بين الفينة والأخرى تواسيه وتسليه ، وتشدّ أزره وعزيمته على تحمل الشدائد والمكاره ، لما فيها أولا من تجديد الاتصال بالملإ الأعلى كلما ادلهمّ الأمر أو نزل الخطب ، مما يثلج القلب ويشرح الصدر . ثم ما هنالك من التذكير بالأسوة بالأنبياء السابقين وأحوالهم مع أقوامهم كما قال تعالى : وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ . . . . ويستطيع القارئ تبين هذه الحكمة بسهولة ويسر لدى مراجعته قصص القرآن ، كأن يقوم باستعراض سريع لسورة هود مثلا ، وما فيها من بيان مواقف الأمم من أنبيائهم وتحمّل الأنبياء والمؤمنين معهم وصبرهم حتى ينزل اللّه تعالى نقمته على أعدائهم ، ويكرم المؤمنين بالفوز والنجاة ، مما له أثره البالغ في تثبيت المؤمنين وزلزلة قلوب الكافرين لتكرار ذلك في كل موقف ، حتى ضربت الأمة الإسلامية المثل البالغ حيث تعرضت لهزات وأعاصير أباد جزء منها أمما وأذاب شعوبا وحضارات ، فثبتت الأمة الإسلامية أمام ذلك كله . بل سجلت أمة الإسلام في هذا المضمار ما هو معجز ، حيث إنها

--> ( 1 ) سورة الإسراء ، الآية 106 .